محمد جمال الدين القاسمي
176
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 38 ] وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 38 ) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ، ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ، ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ هذه الجملة إما مسوقة لبيان علة تعليم اللّه له بالوحي والإلهام ، أي خصني بذلك لترك الكفر ، وسلوك طريق آبائي المرسلين ، أو كلام مستأنف ، ذكر تمهيدا للدعوة ، وإظهار أنه من بيت النبوة ، لتقوى رغبتهما في الاستماع إليه ، والوثوق به ، والمراد بتركه ملة الكفر الامتناع عنها رأسا ، كما يفصح عنه قوله : ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي ما صح ولا استقام ذلك لنا ، فضلا عن الوقوع . وإنما عبر عنه بذلك ، لكونه أدخل بحساب الظاهر في اقتدائهما به عليه السلام . والتخصيص بهم ، مع أن الشرك لا يصح من غيرهم أيضا ، لأنه يثبت بالطريق الأولى . أو المرد نفي الوقوع منهم لعصمتهم . وتكرير ( هم ) للدلالة على اختصاصهم ، وتأكيد كفرهم بالآخرة . وزيادة ( من ) في المفعول ، أعني مِنْ شَيْءٍ لتأكيد العموم ، أي لا نشرك به شيئا من الأشياء ، قليلا أو حقيرا ، صنما أو ملكا أو جنيا أو غير ذلك . وقوله : ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ يعني عدم الإشراك باللّه ، وهو التوحيد ، من نعم اللّه العامة ، التي يجب شكره تعالى على الهداية لها بالفطر السليمة ، ونصب الدلائل الأنفسية والآفاقية . ثم بين أن أكثر الناس نبذوا هذه النعمة بعد ما حق عليهم شكرها . ولما ذكر ، عليه السلام ، ما هو عليه من الدين القويم ، تلطف في الاستدلال على بطلان ما عليه قومهما من عبادة الأصنام ، فضرب لهما مثلا يتضح به الحق حق اتضاح بقوله : القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : آية 39 ] يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ( 39 ) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ وصفهما بالصحبة الضرورية المقتضية للمودة ، وبذل النصيحة . أي : يا صاحبيّ فيه . فجعل الظرف